صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

10

تفسير القرآن الكريم

وانما هذه التصفية هي ( في - ن ) ذهاب العبد إلى الرب طلبا للهداية : إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [ 47 / 99 ] وهذه التنقية مواجهة العبد مع الرب : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ 6 / 79 ] وهذه التنفية توحيد الذات عن ما سوى اللّه : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [ 16 / 120 ] . فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ من البراءة من غير اللّه مات عن نفسه ، وصارت نفسه مرآة مجلوة تحاذي بها شطر الحق ، فانعكس فيها سر الملكوت ، وفاض عليها قدس اللاهوت ، ومات عن غير اللّه وعن نفسه وهواه ، وحشر إلى ربه باقيا ببقائه ، متسرمدا بسرمديته ، ونفذ حكمه واستجاب دعائه على حسب التابعية ومقام الرضا ، وتكرم بكرامة التكوين والإيجاد : وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ [ 41 / 31 ] وكتب اليه الباري سبحانه كتابا إلهيا عنوانه - كما ورد في الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله - قوله تعالى : « من الحي القيوم الذي لا يموت ، إلى الحي القيوم الذي لا يموت ، أما بعد فاني أقول للشيء « كن » فيكون ، وقد جعلتك اليوم تقول للشيء « كن » فيكون - قال ( ص ) : فلا يقول أحد من أهل الجنة « كن » الا ويكون » . ثم لما كان الوصول إلى هذه المنزلة مستحيلا الا بتحصيل العلوم الحقيقية ومكاشفة الاسرار الإلهية ، ولا شك ان أجل العلوم رتبة وأعلاها درجة ومنقبة وأعظمها ثمرة وغاية هي معرفة الحق الأول وما يليه من عقوله وملائكته وكتبه وصحائف ملكوته ورسله وأوليائه ، ومعرفة اليوم الآخر وأحوال القيامة وطبقات الناس فيها بحسب السعادة والشقاوة ، وهذه المعارف هي المسماة « بالايمان » عند أولياء الشريعة ، و « بالحكمة الإلهية » عند طائفة من أئمة العلوم الربانية فكان « 1 » اللّه أول ما دعى المكلفين من خلقه ، انما دعاهم إلى النظر والاعتبار ،

--> ( 1 ) - في النسخ الموجودة عندنا : « ولان اللّه . . . » والتصحيح قياسي .